الصيد في الماء العكر..
المختار أعويدي
كنت خلال الأيام القليلة الماضية في رحلة استشفاء بمدينة الرباط، لما تناهى
إلى علمي، خبر وفاة المشمولة بعفو الله، التلميذة المهذبة عالية الأخلاق، المرحومة
وسام بولهمث، على اثر وعكة صحية حادة، لم تمهلها طويلا. وقد كان حزني غامرا، وألمي
عارما لهذا المصاب الجلل، وهذه الفجيعة التي لا راد لقضاء الله فيها، بسبب فقدان
ثانوية ابن الهيثم بذلك، لواحدة من خيرة بناتها، وأنجب تلميذاتها. فاللهم ارحمها
برحمتك الواسعة، وأسكنها اللهم فسيح جناتك، وألهم ذويها الصبر والسلوان، وإنا لله
وإنا إليه راجعون.
ما أثارني حقا في هذه النازلة وأنا أتابع تطوراتها من بعيد، هو طريقة نقل
ومعالجة الخبر من طرف بعض المنابر "الصفراء" البائسة، التي تعشق إثارة
الفرقعات، أو بالأحرى الفقاعات الإعلامية السخيفة، وتحاول أن تصنع من كل خبر مَهما
كان بسيطا أو عاديا، تهويلا وإثارة، بل واتهاما وتحريضا مبطنا، وأحيانا مباشرا،
بلغة فيها كثيرا من سوء النية وفساد الطوية، وقليلا من السلامة واللباقة اللغوية،
ولا شيء من روح الصحافة النزيهة. وكل ذلك بهدف استمالة أكبر عدد من الزوار
السطحيين، من الذين تفعل فيهم الفرقعات الإعلامية الجوفاء فعلها، وتدفعهم إلى
التفاعل والتناغم معها بغباء باذخ، إلى مواقعهم السخيفة. إن مثل هذه المنابر
التافهة، لا تريد أن تفهم أن رسالة الصحافة النزيهة، قائمة على أن الخبر مقدس
والتعليق حر. ولذلك تجدها لا تكتفي بنقل الخبر بحيادية واستقلالية وشفافية وقداسة،
بل تسمح لنفسها بالتعليق والمحاكمة وحتى الإدانة، بل تحشر نفسها حشرا كطرف مباشر
في كل النوازل المختلفة، مما يسقطها في باب التشهير والقذف والمس بالأعراض، ولعمري
أن المدونة القانونية للإعلام والنشر قادمة لا محالة، في القريب المنظور، وهي
كفيلة بلجم وردع مثل هذا التسيب، الذي تغرق فيه مثل هذه "الصحافة
الصفراء" الإلكترونية، وإن كان القانون الجنائي يضطلع بهذه المهمة حاليا، في
انتظار صدور المدونة المذكورة.
فبنفس هذه الطريقة فاقدة المصداقية، عالجت بعض منابر الإثارة الطنانة،
موضوع التلميذة المرحومة، فقامت بالعزف على الجراح، من دون مراعاة للآلام وأحزان
أهل الهالكة وذويها، فراحت تكيل الإتهامات المبطنة تارة، والمباشرة تارة أخرى، في
وفاة التلميذة المذكورة، لأطراف وجهات مختلفة، مركزة على إدارة المؤسسة التي كانت
تدرس بها تحديدا، حتى من دون قيامها ولو بزيارة واحدة لهذه المؤسسة، والتحقق من
أخبارها المغرضة، وكأني ببعض أفرادها يحاولون رد الصاع للمؤسسة التي تخرجوا منها
صفر الشهادات، صفر التكوين، بسبب لامبالاتهم وإهمالهم، واعتمادهم الغش منهجا لحصد
الشهادات، وهو ما لم يتيسر لهم، فظلوا يحملون معهم ندوب أمراضهم، وحقدهم على كل ما
يمت للثانوية بصلة. وهو ما يحاولون ترجمته في شطحات صحافية صبيانية تبعث على
الشفقة والسخرية والمهانة، من قبيل "آش بان ليكم".
ومما أضفى على النازلة طابع التشويش والمؤامرة
أيضا، طريقة تعاطي حفنة من المحرضين المغرضين، الذين أسموا أنفسهم
"فعاليات"، من دون ذكر لهوياتهم الشخصية أو الجمعوية، إن كانوا فعلا
يمثلون إطارات جمعوية مدنية، مع هذا المصاب الجلل. حيث تمادوا وسمحوا لأنفسهم
بزيارة المؤسسة "للإستفسار"، وكأني بهم مباحث عامة، جاءت للتحقيق
والتدقيق في النازلة، ومعاقبة المقصرين في الأمر. جاؤوا إلى المؤسسة حاشرين أنوفهم
حشرا، في أمر لا يعنيهم، لا من قريب ولا من بعيد، باحثين واهمين ربما، عن أكباش
فداء، أو عن تصفية حسابات، وخلصوا في نهاية الأمر بعد التحقيق والتدقيق، إلى رأيهم
"السديد"، الذي لا ولم يحرك جناح بعوضة، والقاضي بتوزيع المسؤولية فيما
جرى يمينا وشمالا، وتحميل قسط من المسؤولية فيما جرى لإدارة المؤسسة. في موقف مليء
بالتحريض والتخوين، جاء به بلاغ تافه صادر عنهم، لا يحمل لا أسماء ولا توقيعات
هؤلاء الأبطال المحررين، ولا إطاراتهم الجمعوية إن وجدت، كما جرى العرف بذلك. كل
ما يحمله هو فضول طفيلي مراهق، واستعراض لبطولة دونكشوطية وهمية، وتوزيع لاتهامات
مجانية لا مسؤولة، ذات اليمين وذات الشمال، لم يحفل بها، ولم يعرها اهتمامه أحد.
بالمجمل، لم يفلحوا لا هُم، ولا بلاغهم البائس اليائس، سوى في إثارة زوبعة في
فنجان، عادوا بعدها إلى أوكارهم فرحين مزهوين، وكأني بهم حققوا فتحا مبينا، أو
حرروا أرضا مغتصبة. يا لحالهم البئيس التعيس، الذي يدعو إلى الشفقة.. !!
أهكذا تكون فعاليات المجتمع المدني؟ !!
إنه الحضيض المدني يا سادة !! لازال أمامكم الكثير كي تتعلموه،
قبل أن تزعقوا وتنعقوا، واهمين أنكم تقومون بعمل مدني، مع أن بينكم وبين العمل
المدني مسافة ضوئية. تعلموا، تعلموا قبل أن تبادروا بكشف عوراتكم المدنية، فإنكم
بعيدون عن العمل المدني وعن الصحافة النزيهة، كما بعد زحل عن الأرض.
رحم الله الفقيدة الصغيرة
وسام، وأسكنها فسيح جناته مع الصديقين والشهداء والصالحين، وقبح الله التافهين
المتهافتين، الذين لا يخجلون من الصيد في الماء العكر !!
الصيد في الماء العكر..
تم التقييم بواسطة هيئة التحرير
في
6:13:00 ص
التقييم:
تم التقييم بواسطة هيئة التحرير
في
6:13:00 ص
التقييم:
