عندما تصر الدولة على تكريس التمييز بين مواطنيها..
بقلم المختار لعويدي
وأنا أقرأ شروط وتفاصيل مباراة، نظمتها وزارة الفلاحة والصيد البحري، يوم 20/06/2014 لأجل توظيف 61 مهندسا في تخصصات متعددة، طالعتني جملة غريبة، استفزتني، وأثارت أعصابي، بل وأفسدت علي مسائي، بسبب مضمونها التمييزي السافر بين المواطنين، وضربها لأبسط شروط المواطنة (المساواة) بعرض الحائط، بل وإبطالها لمضمون الدستور، في ديباجته التي تنص على: "بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون.. مرتكزاتها.. إرساء دعائم مجتمع متضامن، يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، ومقومات العيش الكريم، في نطاق التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة." تقول هذه الجملة : "تـُخصَّص نسبة 25 % من المناصب للمترشحين من قدماء المقاومين، ومكفولي الأمة، و قدماء العسكريين، و قدماء المحاربين، و7% من المناصب لفائدة الأشخاص المعاقين."
قد نلتمس العذر لمواطنينا المعاقين، بسبب ظروفهم الصحية، التي تستوجب الرعاية والعناية. ولكن لست أدري ما الذي يدعو الدولة إلى منح هذا الإمتياز والريع في التوظيف، لأبناء قدماء المقاومين، وقدماء العسكريين، وقدماء المحاربين، وبهذه النسبة الفاحشة ¼ ربع المناصب ؟ !! فما ذنب كل هؤلاء الطلبة المعطلين، ممن لم يكن لهم حظ الإنتماء إلى إحدى هذه الفئات المحظوظة، التي عددتها الجملة المذكورة أعلاه، والذين ينتظرون مثل هذه الفرص للتوظيف، على أحر من الجمر، ليفاجأوا في النهاية بشروط تمييزية، تمنح أقرانهم امتيازا غير مستحق، ولا عادل، يضرب في الصميم والعمق مسألة الإستحقاق والكفاءة، والعدالة، وتساوي الفرص؟ !
فإذا كانت الدولة ترغب في الإعتراف، لأبنائها من قدماء المقاومين والمحاربين والعسكريين، بتضحياتهم وفضلهم في الإستقلال، والدفاع عن حوزة الوطن، وبالتالي مجازاتهم على ذلك، فلا ينبغي أن يتم ذلك بتكريس هذا التمييز الفظيع بينهم وبين مواطنيهم، وتحويل هذا الإمتياز الممنوح، إلى مكسب، بل ريع متوارث، لا ولن يتنازل عنه أبدا، أبناء وحفدة هؤلاء المقاومين والعسكريين لاحقا. تماما كما هو حال أراضي الكيش، وغيرها من الإمتيازات التي تخلق التفرقة بين المواطنين؟ وهو ما يتناقض ودولة الحق والقانون، بل يكرس دولة الإمتيازات والتعليمات؟ علما أن الدولة هي أكبر منتهك لحقوق هذه الفئة من المواطنين، الذين ضحوا بدمائهم من أجل الوطن، والذين يبدوا ظاهريا أنها تكرمهم،. فلا يخفى على أحد أن الكثير من المقاومين الحقيقييين، قد طالهم القمع والتنكيل في بدايات الإستقلال، ومَن لم تصله منهم يد البطش، طاله التهميش والنسيان والإقصاء والنكران، والتنكر لتضحياتهم. حتى أن بطاقة مقاوم، كان يحوزها أيضا في بعض الأحيان، بعض الإنتهازيين والنفعيين، الذين يسترزقون منها ويتكسبون.
كما لا يخفى على أحد أيضا، أن أجور ومعاشات قدماء العسكريين (ووالدي رحمه الله واحد منهم)، تمثل أكبر إهانة من الدولة لهذه الفئة من المواطنين، في الوقت الذي تدعي فيه أنها تكرمهم وتمنحهم الإمتيازات، بينما هي في الواقع تزيدهم إهانة على إهانة، بسبب نظرة الإزدراء التي تطالهم من باقي المواطنين بفعل هذا التمييز، الذي يبقى في الحقيقة مزايدة أكثر منها امتيازا فعليا . فهي أجور هزيلة جدا جدا، لا ترقى أبدا إلى حجم التضحيات المقدمة، بل لا تسمن ولا تغني من جوع. أما معاشاتهم فتلك مصيبة المصائب، وخاصة معاشات ذوي الحقوق من أرامل هؤلاء الجنود.
إن تكريم الدولة لقدماء العسكريين هي حكاية، مليئة بالمبالغة، والتهميش، والإستخفاف، وكل صنوف الحسرات والألم. لا يتسع المقام للتفصيل فيها، ولكنني أحيل على تجربة مريرة عشتها بأم عيني، كان بطلها، والدي الكادح، تغمده الله برحمته الواسعة. الذي كان دائما يَعتبر تضحياته وتضحيات زملائه وغيرهم من المقاومين، ثمنا لبناء وطن حر، يضمن العيش الكريم لجميع مواطنيه، وليس ثمنا لريع تافه مخجل، يُبخس هذه التضحيات، ويختزلها في مقابل مادي رخيص، مهما غلا ثمنه. يُفرغ هذه التضحيات من مضمونها الوطني، وحمولتها الرمزية، المشحونة بمعاني المواطنة في أرقى تجلياتها. فقد أنفق رحمه الله ردحا غير قليل من الزمن، في خدمة وطنه ومواطنيه، في جبهات ساخنة جدا (الحدود الجزائرية خلال وبعد حرب الرمال – الصحراء المغربية خلال فترة المواجهات المسلحة مع مرتزقة الجزائر..) لكنه كان يتلقى في المقابل أجرا ضعيفا لا يسمن ولا يغني من جوع، وبعد تقاعده معاشا معاشا هزيلا تافها مخجلا، واليوم تتلقى أرملته (والدتى العظيمة حفظها الله) بعد وفاته معاشا مثيرا للضحك والسخرية والتنكيت والحسرة والألم في نفس الوقت.
إن تكريم الدولة لمواطنيها، أيا كانت مهامهم، ومجالات عملهم، وتضحياتهم، لا ينبغي أن يتم في شكل ما يشبه الصدقات، أو ما يكرس منطق الريع، والمنافع، والإمتيازات، التي تخلق التفرقة بين المواطنين، أو من خلال إقامة النصب التذكارية الجافة والخطب الجوفاء. بل هناك صيغ أرقى للتكريم، والحفاظ على الكرامة، لعل أبسطها أجورا محترمة، تضمن العيش الكريم لهؤلاء الذين أفنوا عمرهم في خدمة الوطن. وليس منحهم فتاتا يُدعى "أجرة"، ومهزلة تدعى "معاش"، والإدعاء بتكريمهم/إحراجهم تجاه غيرهم من المواطنين، بامتيازات ليسوا هم من يستفيد منها في الغالب. من قبيل نسب معينة في التوظيف، أو منح مأذونيات، وما إلى ذلك من أشكال الريع، التي ينبغي القطع معها إن كنا نريد حقا بناء وطن الحق والقانون، يتسع لجميع أبنائه من دون تمييز ولا فصل.
إن تشجيع الدولة لمنطق الريع، قد كرس فهما مبتورا لقيمة المواطنة والإنتماء للوطن، ورسخ ثقافة سلبية جدا، تقوم على أساس تأدية الوطن لثمن أي "إنجاز"، أو "تضحية" يقدمها أحد أبنائه، مهما كانت محدودة. حتى أن كل رياضي، على سبيل المثال لا الحصر، حقق أي إنجاز، مهما كان تافها، يطالب الوطن بدفع مقابله وثمنه ريعا وامتيازا (مأذونيات ـ قطع أرضية ـ مكافآت مالية ـ توظيف..)، ولعمري أن هذا المنطق، لا يعمق حس المواطنة، ولا يمتن أواصر حب المواطن لوطنه، وغيرته عليه، بل وبذل حياته من أجل بقائه. بل يجعل هذا الوطن في عيون أبنائه، أشبه ما يكون بمحلبة يتنافس الجميع على استدرار المنافع والمكاسب منها، وليذهب الوطن بعدها إلى الجحيم.
إن هذا المنطق يتناقض جذريا مع ما تقتضيه المواطنة الفعلية الصادقة، من تضحيات لصالح الوطن والمواطنين، ويجهض أي انتقال فعلي إلى دمقرطة البلاد، وإقرار دولة الحق والقانون. دولة يتمتع فيها جميع المواطنين بدون استثناء أو تمييز، بالمساواة وتكافؤ الفرص، والعدالة الإجتماعية، والعيش الكريم. تماما كما يقر الدستور ذلك في منطوقه وروحه.
عندما تصر الدولة على تكريس التمييز بين مواطنيها..
تم التقييم بواسطة هيئة التحرير
في
5:02:00 ص
التقييم:
تم التقييم بواسطة هيئة التحرير
في
5:02:00 ص
التقييم:
